أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
127
تهذيب اللغة
قال ويقال : ما في الدّارِ عَرِيبٌ ، ولا يقال : بَلَى فيها عَرِيبٌ . وروى أَبُو طالب عن سلمة عن الفراء قال : أَحَدٌ يكون للجَميع ولِلْوَاحِد في النّفي ، ومنه قول اللَّه جلّ وعزّ : ( فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 47 ) [ الحَاقَّة : 47 ] جعل أَحَداً في موضِع جَمْع ، وكذلك قوله ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) [ البَقَرة : 285 ] فهذا جمْع لأنّ « بَيْن » يَقَعُ إلا على اثْنَيْنِ فما زَاد . وقال والعرب تقول : أنتم حيٌّ واحد وحيٌّ واحِدُونَ ، قال وموضِعُ واحدينَ وَاحِدٌ وقال الكميت : فَرَدَّ قَوَاصِيَ الأَحْيَاء منْهُمْ * فقد أَضْحَوْا كحَيِّ وَاحِدِينا وأخبرني المنذريُّ عن ثعلب عن سلمة عن الفرَاء أنه حكى عن بعض الأعراب : معي عشرةٌ فَاحْدُهُنَّ لِيَه ، أي صيِّرْهن لي أحَدَ عَشَرَ ، ونحوَ ذلك قال ابنُ السكيت . قلت : جعل قوله فاحْدُهن ليَهْ من الحَادي لا من أَحَدٍ . وقال أبو زيد : يقال لا يَقُوم لهذا الأمر إلا ابن إحداهما أي الكريمُ من الرجالِ ، وفي « النوادر » : لا يستطيعها إلا ابنُ إحْدَاتِها ، يعني إلا ابنُ وَاحدَةٍ منها . وقال ابن السكيت : يقال هذا الحادِيَ عَشَرَ ، وهذا الثاني عَشَرَ وكذلك الثالثَ عَشَرَ إلى العشرين ، مفتوح كله وفي المؤنث هذه الحاديةَ عشرةَ والثانيةَ عشرَة إلى العشرين ، تُدخِلُ الهاءَ فيهما جميعاً . قلتُ : وما ذكرت في هذا البابِ من الألفاظِ النَّادرة في الأَحَدِ والوَاحِد وإحْدَى والحَادي وغيرِها فإنه يُجْرَى على ما جاءَ عن العرب ولا يُعدى به ما حُكِيَ عنهم لقياس مُتَوَهَّمٍ اطّرادُه ؛ فإنّ في كلامِ العربِ النوادرَ لا تنقاس ، وإنما يحفَظُهَا أهل المعرفة المعنّيون بها ولا يقيسون عليها . وأمّا اسم اللَّه جلّ ثناؤه أَحَدٌ فإنه لا يوصف شيء بالأحَدِيَّة غيرُه ، لا يقال رَجُلٌ أَحَدٌ ولا دِرْهَمٌ أَحَدٌ ، كما يقال رجل وَحَدٌ أي فَرْدٌ ، لأنّ أحَداً صفةٌ من صفات اللَّه التي استأثر بها ، فلا يَشْركُه فيها شيءٌ ، وليس كقولك : اللَّه واحدٌ ، وهذا شيء واحدٌ ، لأنه لا يقال شيء أحَدٌ وإن كان بعضُ اللغويين قال إن الأصل في الأَحَدِ وَحَدٌ . وقال اللحياني قال الكسائيُّ : ما أنت إلا من الأَحَدِ أي من الناس وأنشد : وليس يَطْلُبُني في أَمْرٍ غانيه * إلا كعَمْرُو ما عمرٌو من الأَحَدِ قال ولو قلت : ما هو مِنَ الإنسان ، تريد من النَّاس أصَبْتَ . قال وقوله : ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ 6 ) [ الانفِطار : 6 ] قيل إنه بمعنى النَّاس ، وأما قولُ اللَّه جلّ وعزّ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) [ الإخلاص : 1 ، 2 ] فإنّ أكثَرَ القُرّاءِ على تَنْوين ( أَحَدٌ ) وقد قُرِىءَ بترك التنوين ، وقُرىء بإسكان الدَّال ( قل هو الله أحَدْ ) وأجودها الرَّفْعُ مع إثبات التنوين في الإدراج ، وإنما كُسر التنوينُ لسكونه وسكون اللّام من اللَّه ، وَمَن حذف التنوين فلالْتقاء الساكنين أيضاً .